آية الله سماحة الشيخ عبد الله الجوادي الآملي في حديث خاص لمرايا الدولية: ● تصدير الثورة لا يعني التدخل في شؤون الآخر بل الإجابة عن تساؤلاته ● من الممكن التعايش السلميُّ مع اعتناق عقائد مختلفة شريطة رعاية المبادئ الإنسانيّة

هو المرجع الديني والفيلسوف المتأله آية الله سماحة الشيخ «عبد الله الجوادي الآملي» والذي كان عضواً في مجلس الخبراء في القانون الأساسي، والمجلس الأعلى للقضاء، والمبعوث الخاص للإمام الخميني «رض» إلى فخامة الرئيس مبخائيل غورباتشوف في حديث خاص إلى مجلة مرايا الدولية حول تفاصيل الرؤية الخمينية والرسالة الشهيرة إلى رئيس الاتحاد السوفياتي السابق.

الثورة الإسلامية.. ظهورها

استمرارها وتصديرها

مثلما أن ظهور الثورة الإسلامية جاء من خلال الهداية الفكرية، كذلك الحال مع ديمومتها، فهي تتحقّق بالدعوة الثقافية، ومثلما أنّ نهضة شعب إيران المسلم بدأت بالقيادة الدينيةـ كذلك حال نهضة شعوب العالم الأخرى، فتحققها ممكن من خلال قناة الهداية الدينيّة؛ وهذا هو تصدير الثورة الإسلامية إلى خارج بلدنا.

إن تصدير الثورة لايعني التدخّل في شؤون شعوب البلدان الإخرى، بل يعني الإجابة عن التساؤلات الفكرية للمتعطشين للمعارف الإلهيّة من بني الإنسان؛ وحيث إنًّ المبدأ الفاعل في أمور الجميع- الإنسان والكون- هو الله، وإن المبدأ المستعد لتقبل الفاعلية الإلهية الموجود لدى جميع بني الإنسان هي الفطرة الطالبة لله والمُحبًّة لله: فمسؤوليّة القادة الإلهيًّين تقتضي منهم ان يوصلوا صوت الهاتف الغيبي -الذي تسمعه القلوب- إلى أسماع جميع أصحاب القلوب المنتظرين، فلا يحرمون أي فرد أو مجموعة من هذه النعمة الإلهية.

وقد جاءت الثورة الإسلامية الإيرانية استمراراً لمسيرة الأنبياء الإلهيين عموماً والنبي الأكرم (ص) وخلفائه الحقيقيين خصوصاً، كما ان قيادة الإمام الخمينِّي- قُدًّس سِره الشريف_ هي نيابة عامة عن أثمة الدين هؤلاء، فالإمام الراحل قد اكتسب جميع مناهج الهداية من التعاليم الدينية.

ورغم ان رسالة الرسول الأكرم (ص) كانت منذ بداية البعثة رسالة عالمية، إلا أنها ابتدأت في طريقة التنفيذ بقومه (ص) إلى أن وصلت إلى كبرى الامبراطوريات في عصره ص، فلم تكن في البداية محدودة ثم اتسع نطاقها؛ والتمايز الموجود بين الآية الكريمة: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، وبين الآية الكريمة: (فاصدع بما تؤمر) هو تمايز في الطريقة التدريجية لإبلاغ الرسالة ولا يُعِّبرُ عن نمو في نفس النبوة، مثلما أن التمايز بين الآية: (قاتلوا الذين يلُونكم من الكُفارِ). والآية: (هُو الذي أرسل رسوله بالهُدَى ودين الحق ليظهرهُ على الدين كله ولو كره المشركون). هو تمايز في طريقة تنفيذ المهمة، وليس نمواً في أصل الرسالة بمعنى أنها كانت محدودة في البداية ثم اتَّسعت.

عالميَّةُ النهضةِ الخمينيَّة

إن الهدف الأساسي للنهضة الإسلامية الإيرانية بقيادة لإمام الخميني_ قدس الله نفسه الزكية- كان ومايزال عالمياً؛ وعليه فالفرق بين بيانات الإمام الخميني _ قدس سره الشريف_ الموجهة للشاه المعدوم ومسؤولي النظام البهلويَّ المنحط وبين رسالته إلى ميخائيل غورباتشوف الزعيم السوفييتي، ينحصر فقط في أسلوب العمل بهذه الرؤية العامة للإمام عن «أولي العزم» الإلهيين، وإلا فالمسؤولية الدينية تجاه داخل إيران وخارجها واحدة عند الإمام والتمايز هو في الأسلوب التنفيذي فقط.

وإقامة البراهين على «الوحدة التشكيكية» أو «الوحدة الشخصية» للوجود كما دأب على ذلك طائفة من الحكماء والعارفين؛ بل أن علاقة وارتباط الفقيه العادل والجامع للشروط المطلوبة مع الناس؛ هي إضافة الى محاسن أشكال الارتباط المتقدمة تجسد علاقة «الإمام بالأمة» وهكذا كانت ولا زالت سيرة نواب المعصوم – عليه السلام.

إن نبوغ الإمام الخميني في التفقُّه والمعرفة الفقهية لم يكن في طرح أصل مسألة «ولاية الفقيه» فقط، فلهذا الموضوع سابقةٌ طويلة، كما لم يكن في جمع البراهين العقلية والنقلية على هذه المسألة، إذ أن الاستدلال عليها مطروح بدرجة أو بأخرى، وكذلك لم يكن في تصنيف رسالة مستقلةٍ بشأنها، فعدد الرسائل المدونة حولها ليس بالقليل؛ بل إن امتياز الإمام – رحمه الله_ كان أولاً في أنه يعتبر أن الحدود التي تشملها «ولاية الفقيه النائب لإمام الزمان» تمتد -مكانياً- لتسع الأرض كل الأرض، وزمانياً كل عصرٍ، وثانياً لكون عقله العملي كان متحداً مع «الولاية» مثلما اتحد عقله النظري مع التفقه.

امتزاج التفقُّهِ بالولاية

ولكونه كان في أفق التجرد الأعلى، فقد أولى الحجاب بين النظر والعمل، فامتزج التفقه بالولاية والولاية بالتفقه واتحد هذا المزيج بروح هذا الإنسان المتكامل، مثلما أن نفسه قد اتحدت بالمعقول في مقام تجرده العقلي التام.

من الممكن ان يكتب شخص كتاباً حول إمامة الفقيه العادل النائب لولي العصر -أرواحنا فداه-، فيكون له -للإمام الخمينِّي- من أقوال أو كتاباتٍ عن ذلك في الجانب العلميّ، لكنه في الجانب العمليّ يتصرف كأفراد الأمة.

ومثل هذا الفقيه وإن كان يتحدَّث عن إمامه الفقيه لكنه فاقد لطريقة تفكير الإمامة، لكونه لم يضع قدمه في هذا الوادي ويتوهم أن شروط استحصالها هي «شروطٌ حصوليَّة» ويرى أن مقدّمات «الواجب» هي مقدِّمات «الوجوب»، لذلك يكون حديثه عن موضوع ولاية الفقيه مثل الحديث عن موضوع «الرقِّ والعبيد والإماء»، فهو يُطرح من أجل شحذ الأذهان بعيداً عن موارِدِ الابتلاء.

ومفهومٌ ان هناك فرقاً بين القول بالإقامة وبين طريقة التفكير على وفق مبدأ الإمامة، وكذلك هناك تمايز بين القائل بولاية الفقيه وبين الذي يمتلك ذهنيَّة «الفقه الولائي».

والتمايز بين هذين يتجسَّد في طبيعة وكيفية النظر إليه؛ وكذلك في السعي لإقامة أحكام الفقه.

من هنا، فالإمام الخميني تارةً يصب سخطه «الولائي» على القصر الغربي «الأبيض» ويقول: «إن أمريكا لا تستطيع ارتكاب أية حماقة»، وتارة يجعل قصر «الكرملين» الشرقيّ مورداً لتفقده الولائي، مثلما يفعل مع أكواخ المحرومين، فيدعو رئيس مجلس الكرملين الأعلى وسائر من فيه لدين الإسلام المبين ليُخلِّصهم من شرور الإلحاد وينقلهم إلى نور التوحيد.

كلمة غورباتشوف في اللقاء

وملخص كلمةِ غورباتشوف التي ترجمها المترجم الحاضِرُ في اللقاء إلىَ الفارسيَّة، هو عبارة عن:

-1 أشكُرُ الإمام على إرساله الرّسالة.

-2 سأُجيبُ عنها في الفرصة المناسبة.

-3 سَنُطلِعُ العلماء السوفيت على مضمونها.

-4 نحن قد طرحنا قانون «حريَّة الاعتقاد» للمصادقة عليه، وهو الآن يطوي مراحل المصادقة.

-5 لقد قلتُ -سابقاً- إنَّ من الممكن التعايش بين الجيران مع تبنِّيهم لعقائد مختلفة.

-6 لقد دعانا لإمام الخمينيُّ إلى دين الإسلام، فهل يُمكِنُ أن نَدْعُوه نحن إلى عقيدتنا (وهنا ابتسم غورباتشوف وقال مَرَّتين: هذه مزحة وحَسْب).

-7 هذه الدعوة تُعتبرُ نوعٌ من التدخُّل في شؤون بلدٍ آخر، لكنَّ كُلَّ بلدٍ حُرٌ ومستقلٌ في اختيار عقيدته.

إجابة الوفد على كلمة غورباتشوف

بعد الاستماع إلى هذه المطالب، قام الوفد الإيراني بمناقشتها وتوصَّل إلى أنَّ اهمَّها- من زاوية ضرورة الإجابة عنه – هو البند الأخير، ففيه تظهر علامةٌ على تعامل سياسيٍّ مع رسالة الإمام –رحمه الله- وليس تعامُلاً ثقافِيّاً وتعليميّاً محضاً، وبهذا التوهُّم السياسي تدخل ( الرسالةُ) في إطار التدخُّل في شؤون بلدٍ أجنبي الأمر الذي يوجد شُبْةً تجاه أصل الرسالة وإرسالها، وهذه الشبهة تحول دون الاهتمام أصلاً بمضمون الرسالة. فإن رئيس الوفد الإيراني المرسل قال في الردِّ النهائي:

نشكركم على الاستماع- بصبرٍ كاملٍ- لتلاوة الرسالة.. كما أنَّ إعلانكم عن استعدادكم لإرسال الجواب، جديٌر بالتقدير؛ وجديرٌ بالشكر أن تُوصِلُوا محتواها إلى علماء بلدكم.

كما أنَّ وضعكم لقانون حُرِّيّة الأديان في مراحل المصادقة عليه جديرٌ بالتقدير مع أمل الإسراع في إنجاز ذلك.

ومن الممكن التعايش السلميُّ مع اعتناق عقائد مختلفةٍ شريطة رعاية المبادئ الإنسانيّة.

أمّا في ما يتعلَّق بالتدخل في الشؤون الداخليَّة لبلد آخر فالأمر هنا يجب توضيحه: إنكم تقومون بنشاطات – بحريَّةٍ- في ما بين أعماق الأراضي الروسية إلى أقاصي فضاء سمائها؛ ولا يحقُّ لأحد التدخُّل في الشؤون الداخلية لبلدٍ أجنبي؛ ولكنَّ محتوى هذه الرسالة الإلهيَّة- كسائر رسائل القادة الإلهيِّين – لا علاقة له بالأرض وما تحتها وما فوقها ولا ارتباط له بسماء روسيا، بل هو مرتبطٌ فقد بروحكم.

حضرة السيد غورباتشوف: هل أنّ حالكم هو كحال الشجرة التي يكون موتها عبارة عن ذبولها وتفسُّخ بدنها، فلا من خبرٍ بعد موتها عن حياتها وآثارها!! أو أنّ روحكم هي مثل طير مسجون في قفص الطبيعة، فيكون موتكم بمثابة فتح باب هذا القفص وتحليق طائر الروح نحو عالم الخُلْد؟!

قطعاً إن الجواب هو الشِّقُّ الثاني، وليس الأول؛ ومضمون رسالة الإمام هو الدعوة إلى التوحيد واجتناب الإلحاد، وهذه الدعوة ترتبط بروحكم وليس ببلدكم.

وبديهيٌ أن روح الإنسان إذا أصبحت موحَّدة، عندها يتعرَّفُ على الطريق الصحيح لإدارة شؤون البلد، ويقوم بإدارته بصورةٍ جيدة

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *